ملا محمد مهدي النراقي
309
انيس المجتهدين في علم الأصول
والجواب عن الاستدلال بمثل ما أجاب به المحقّق عن آية الأسوة قد عرفت فساده . ولنا أيضا : القطع برجوع الصحابة إلى أفعاله المعلومة جهتها ؛ فإنّهم خلعوا في الصلاة لمّا خلع فيها ، وحلقوا لمّا حلق ، وذبحوا لمّا ذبح ، ولم يتمتّعوا بالعمرة إلى الحجّ لمّا لم يتمتّع ، مع أنّه أمرهم بذلك ، فأقرّهم عليها ، ولم ينكر عليهم . ومتابعتهم له فيها لم تكن لمطلق فعله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل إمّا لأنّها كانت من هيئات الصلاة والحجّ ، واستفادوا وجوبها من قوله : « صلّوا كما رأيتموني » « 1 » وقوله : « خذوا عنّي مناسككم » « 2 » . أو لأنّهم فهموا القربة فيها فرأوها مندوبة لا واجبة . وسيجيء « 3 » أنّ الفعل إذا كان بيانا للمجمل الواجب واجب ، وكلّ فعل ظهر فيه قصد القربة يكون ندبا على الأصحّ . وقبّل عمر الحجر ، وقال : أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أنّي رأيت رسول اللّه قبّلك ما قبّلتك « 4 » . ورجعوا في وجوب الغسل وعدمه بالتقاء الختانين إلى عائشة ، فقالت : فعلت أنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فاغتسلنا « 5 » ، فأوجبوا الغسل بمجرّد فعله . وفهم الوجوب لم يكن من مجرّد الفعل ، بل إمّا لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل » « 6 » . أو لأنّه كان بيانا لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا « 7 » ، والأمر للوجوب ، فيكون بيانا للواجب . أو لأنّه من شروط الصلاة ، فيكون بيانا لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صلّوا كما رأيتموني » « 8 » . وسألت أمّ سلمة عن جواز قبلة الصائم ، فقالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يفعل . فقال السائل :
--> ( 1 ) . صحيح البخاري 1 : 226 ، ح 605 . ( 2 ) . صحيح مسلم 2 : 943 ، ح 310 / 1297 مع اختلاف يسير . ( 3 ) . في ص 312 . ( 4 ) . ذكره أصحاب المجاميع الحديثيّة كالبخاري ومسلم في فضل تقبيل الحجر الأسود من كتاب الحجّ والمناسك ، وحكاه العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 2 : 538 . ( 5 ) . مسند أحمد 2 : 595 ، ح 6682 . ( 6 ) . كنز العمّال 9 : 376 ، ح 26544 . ( 7 ) . المائدة ( 5 ) : 6 . ( 8 ) . تقدّم آنفا .